من ساحة الكرامة.. السويداء ترفع صوت التضامن مع الكرد ضد القتل والتهجير
من ساحة الكرامة.. السويداء ترفع صوت التضامن مع الكرد ضد القتل والتهجير
في مشهد حمل الكثير من الدلالات الإنسانية والوطنية، شهدت ساحة الكرامة في مدينة السويداء جنوب سوريا الأحد وقفة احتجاجية شارك فيها عشرات المواطنين والمواطنات، عبّروا خلالها عن تضامنهم مع المكون الكردي، في ظل ما يتعرض له من عنف وقتل وتهجير، معتبرين أن ما يجري اليوم يعيد إلى الذاكرة مشاهد دامية عاشتها مكونات سورية أخرى في مراحل سابقة.
ورفع المشاركون لافتات تؤكد وحدة المصير السوري ورفضهم لكل أشكال الإبادة والعنف، في رسالة واضحة مفادها أن الألم لا يتجزأ، وأن ما يصيب أي مكون سوري هو جرح مفتوح في جسد الوطن بأكمله، بحسب ما نقلته مصادر محلية وناشطون ميدانيون وفق وكالة أنباء المرأة.
تضامن يتجاوز الانتماءات
عكست الوقفة حالة من الوعي الجماعي المتنامي في السويداء بأن معاناة السوريين، على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية، تتشابه في جوهرها، وأن استمرار استهداف أي فئة يفتح الباب أمام استهداف الجميع، وأكد المشاركون أن التضامن مع الكرد ليس موقفا سياسيا ظرفيا، بل موقفا أخلاقيا وإنسانيا نابعا من تجربة الألم المشترك.
وشدد المحتجون على أن ما يحدث في مناطق مثل الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب من قصف واستهداف للمدنيين، لا يمكن فصله عن سلسلة طويلة من الانتهاكات التي طالت العلويين والدروز وغيرهم، ما يجعل من التضامن ضرورة ملحة لا خيارا.
ليست أقليات
رجاء الشوفي، إحدى المشاركات في الوقفة، عبّرت بصوت متهدج عن رفضها القاطع لما تتعرض له المكونات السورية من إبادة جماعية وتهجير قسري، معتبرة أن توصيف هذه الجماعات على أنها أقليات هو توصيف ظالم ومضلل.
وأكدت الشوفي أن ما يجري هو استهداف ممنهج لشعوب لها تاريخ وأرض وفكر، قائلة إن مشاهد الدم والقتل تتكرر بشكل أكثر وحشية في كل مرة، وإن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا يحدث كل هذا ومن أجل ماذا.
وأضافت أن السوريين تأثروا بما جرى للعلويين، ثم أصابهم الخوف والهلع عندما طال العنف مناطقهم، واليوم يتضاعف الألم مع ما يتعرض له الكرد، في مشاهد وصفتها بأنها لا تصدق، خاصة عندما يكون الضحايا أطفالا ونساء لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في دين أو قومية معينة.
وناشدت الشوفي كل من لديه ضمير إنساني أن يرفع صوته في وجه هذا الظلم، مؤكدة أن الكلمات تعجز عن وصف حجم المأساة، وأن الصمت لم يعد خيارا.
استهداف المشافي جريمة حرب
من جهتها، أكدت بسمة القرعونة أن الوقفة جاءت استنكارا لما يتعرض له الكرد في مدينة حلب من قصف وقتل بلا أي اعتبار للإنسانية، مشيرة بشكل خاص إلى استهداف المشافي وقتل الأطفال، وهو ما اعتبرته جريمة لا يمكن السكوت عنها.
وتساءلت القرعونة عن السبب الذي يجعل المشافي هدفا دائما للهجمات، رغم أنها أماكن مخصصة لعلاج الجرحى والمصابين، معتبرة أن قصفها يعكس انحدارا أخلاقيا خطيرا وانتهاكا صارخا لكل القوانين الإنسانية.
وأشارت إلى أن مشاهد إلقاء جثث المقاتلين أو المقاتلات من أماكن مرتفعة، وتداولها على نطاق واسع، تمثل صدمة للرأي العام وتؤكد حجم العنف الممارس، معربة عن أملها في أن يتوقف سيل الدم وأن تتكرر مثل هذه الجرائم مرة أخرى.
مبادئ الإنسانية
بدورها، استنكرت أصالة أصلان، الناطقة باسم مجلس المرأة السورية في السويداء، ما وصفته بالهجمات الإرهابية وأعمال العنف التي تستهدف المدنيين في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.
وأكدت أصلان أن ما يجري يتناقض كليا مع أبسط مبادئ الإنسانية، ويمثل أفعالا لا أخلاقية ولا يمكن لعقل سليم أن يستوعبها، مشيرة إلى أن استهداف المدنيين والنساء والأطفال يكشف طبيعة الجهات التي تقف وراء هذه الأعمال.
وأوضحت أن نساء السويداء أصدرن بيانا رسميا للتنديد بهذه الانتهاكات، مؤكدات أنهن لن يترددن في قول كلمة الحق، وأن دعم النساء السوريات في كل المناطق هو التزام أخلاقي لا يقبل المساومة.
وأضافت أن الضمير الإنساني يفرض الوقوف صفا واحدا في مواجهة هذه الجرائم، مشددة على أن نساء سوريا لن يقبلن بتكرار مثل هذه المآسي في أي بقعة من البلاد.
وأعربت أصلان عن أسفها لأن هذه الجماعات التي تمارس العنف تنتمي جغرافيا إلى الأرض السورية، معتبرة أن توثيق الجرائم من قبل مرتكبيها أنفسهم يكشف حجم الانحدار الأخلاقي، في ظل حملات إعلامية مضللة تحاول طمس الحقائق.
وأكدت أن العيش مع ذهنيات تمارس هذا النوع من العنف بات مستحيلا، خاصة في ظل مشاهد رمي الفتيات من الطوابق والاعتداء على الأطفال، وهي مشاهد قالت إنها تجرح الإنسانية في عمقها.
دعوة للتحرك الدولي
طالب المشاركون في الوقفة الضمير الإنساني العالمي واللجان الدولية والمنظمات الحقوقية بالتحرك العاجل لوقف الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حماية المدنيين في جميع المناطق السورية.
وأكدوا أن مطلبهم الأساسي هو العيش بكرامة وسلام، بعيدا عن لغة السلاح والقتل، وأن استمرار الصمت الدولي يشجع على تكرار الجرائم ويضاعف من معاناة السوريين.
تشهد سوريا منذ سنوات طويلة أزمة إنسانية نتيجة موجات متتالية من العنف والانتهاكات التي طالت مختلف المكونات الدينية والقومية، في سياق صراع معقد أدّى إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، وقد تعرّضت مناطق ذات أغلبية كردية، مثل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، لهجمات متكررة استهدفت المدنيين والبنية التحتية، بما في ذلك المشافي والمرافق الخدمية.
وفي المقابل، عانت مناطق أخرى، منها مناطق العلويين والدروز، من أنماط مختلفة من القتل والتهجير والضغط الأمني، ما خلق شعورا متزايدا لدى السوريين بأن الاستهداف لم يعد محصورا بفئة دون أخرى. وتبرز في هذا السياق مبادرات التضامن الشعبي، مثل وقفة السويداء، كمحاولات لإعادة بناء خطاب وطني وإنساني جامع، يرفض التقسيم ويؤكد وحدة المصير، في وقت لا تزال فيه البلاد تبحث عن مخرج حقيقي من دوامة العنف والدم.











